مهدي مهريزي

44

ميراث حديث شيعه

عبد الملك بن سعيد الأنصاري ، قال : حدّثني وهب بن سعيد الأوسي ، عن عبداللَّه بن عبد الرحمن الأنصاري ، قال : رأيت زينب بنت عليّ بمصر بعد قدومها بأيّام ، فواللَّه ما رأيت مثلها ، وجهها كأنّه شقّة قمر . 7 . وبالسند المرفوع إلى رُقيّة بنت عُقْبة بن نافع الفِهريّ ، قالت : كنت فيمن استقبل زينب بنت عليّ لمّا قدمت مصر بعد المصيبة ، فتقدّم إليها مَسْلَمة بن مُخَلَّد « 1 » ، وعبداللَّه بن الحارث ، وأبو عميرة المزني ، فعزّاها مسلمة وبكى ، فبكت وبكى الحاضرون ، وقالت : « هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ » « 2 » . ثمّ احتملها إلى داره بالحمراء ، فأقامت به أحد عشر شهراً ، وخمسة عشر يوماً ، وتوفّيت ، وشهدت جنازتها ، وصلّى عليها مسلمة بن مخلّد في جمعٍ بالجامع « 3 » ، ورجعوا بها فدفنوها بالحمراء ، بمَخْدَعِها « 4 » من الدار بوصيّتها . 8 . حدّثني إسماعيل بن محمّد البصري - عابد مصر ونزيلها - قال : حدّثني حمزة المكفوف ، قال : أخبرني الشريف أبو عبداللَّه القرشي ، قال : سمعت هند بنت أبي رافع بن عبيداللَّه ، عن « 5 » رقيّة بنت عُقبة بن نافع الفِهري تقول : توفّيت زينب بنت عليّ عشيّة يوم الأحد ، لخمسة عشر يوماً مضت من رجب ، سنة 62 من الهجرة ، وشهدت جنازتها ، ودفنت بمخدَعها بدار مسلمة المستجدّة بالحمراء القصوى « 6 » ، حيث بساتين عبداللَّه بن عبد الرحمن بن عوف الزهري « 7 » . 5 . زينب الوسطى بنت عليّ بن أبي طالب « 8 » امّها وامّ إخوتها - الحسن ، والحسين ، ومحسن ، وزينب الكبرى ، ورقيّة - فاطمة الزهراء بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله . 1 . حدّثنا موسى بن عبد الرحمن ، قال : حدّثني موسى بن عبداللَّه بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : وُلدت زينب قبل وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله ، وسمّتها امّها زينب ، وكنّاها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله امّ كلثوم . ولمّا خطبها عمر بن الخطّاب من أبيها فوّض أمرها إلى العبّاس فزوّجها عمر « 9 » ،

--> ( 1 ) . قال ابن الأثير في الكامل في التاريخ ( ج 3 ص 465 ) : قد ذكر أبو جعفر الطبري أنّ في هذه السنة - 50 ه - ولّي مسلمة بن مخلّد - الأنصاريّ - إفريقية ، وأنّ عُقبة ولّي قبله إفريقية وبنى القيروان . والذي ذكره أهل التاريخ من المغاربة أنّ ولاية عقبة بن نافع إفريقيّة كانت هذه السنة وبنى القيروان ، ثمّ بقي إلى سنة خمس وخمسين ووليها مَسلمة بن مخلّد ، وهم أخبر ببلادهم . ( 2 ) . سورة يس ، الآية 52 . ( 3 ) . أي : في جمعٍ من النّاس بالمسجد الجامع . ( 4 ) . المخْدَع - بضم الميم وفتحه - : البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير . والمقصود : الحُجرة الصغيرة التي لها بابٌ في الحجرة الكبيرة ، وكان يُعبّر عنها ب « الخزانة » . ( 5 ) . كذا يبدو الصحيح ، وفي الأصل : بن . ( 6 ) . منطقة كانت بين القاهرة ومدينة الفسطاط في الزمن القديم ، وكانت تعرف أيضاً ب « قناطر السباع » . انظر : المواعظ والاعتبار ، ج 2 ، ص 202 . ( 7 ) . اختلف المؤرّخون في تحديد البقعة التي احتضنت جثمانها الطاهر ، وكانت هناك عدّة أقوال ، هي : 1 - في مصر : وأغلب الّذين اتّبعوا هذا القول - من المصريّين وغيرهم - فقد استندوا في ذلك إلى كتابنا هذا . وقال الشيخ باقر شريف القرشي في كتابه : السيّدة زينب عليها السلام رائدة الجهاد في الإسلام ص 328 - 331 . سبب هجرتها لمصر : ذكر المؤرّخون أنّ العقيلة أخذت تلهب العواطف ، وتستنهض المسلمين للأخذ بثأر أخيها ، والانتفاض على السلطة الأموية ، والتي كان من نتائجها أنّ المدينة أخذت تغلي كالمرجل ، وأعلنت العصيان المسلّح على حكم الطاغية يزيد ، فأرسل إليها جيشاً مكثّفاً بقيادة الإرهابي المجرم مسلم بن عقبة ، فأنزل بالمدنيّين أقصى العقوبات ، وأكثرها صرامة وقسوة ، وأرغمهم على أنّهم خول وعبيد ليزيد ، ومن أبى منهم نفّذ فيه حكم الإعدام . وعلى أيّ حال فإنّ عمرو بن سعيد الأشدق والي يثرب خشي من العقيلة ، وكتب إلى يزيد بخطرها عليه ، فأمره بإخراجها من المدينة إلى أيّ بلدٍ شاءت . . . زيارة المرقد : ويؤمّ المصريّون وغيرهم من المسلمين المرقد المعظّم خصوصاً في يوم الأحد المصادف لليوم الّذي توفّيت فيه العقيلة ، فإنّهم يزدحمون على زيارته بما فيهم من العلماء والفقهاء ، وقد زارها في هذا اليوم كافور الأخشيدي ، وأحمد بن طولون ، والظافر بنصر اللَّه الفاطمي ، وكان يأتي حاسر الرأس مترجّلًا ، ويتصدّق عند القبر الشريف على الفقراء ، واقتدى به ملوك مصر وامراؤها . وإذا حلّ شهر رجب - وهو الشهر الذي توفّيت فيه العقيلة - زحفت الجماهير إلى المرقد المعظّم ، ويقيم الكثيرون فيه إلى النصف من رجب ، وهم يتلون كتاب اللَّه ، والأدعية الشريفة . . . عمارة المرقد : وأجريت على المرقد المعظّم في مصر عدّة عمارات وإصلاحات من قبل بعض المحسنين من ملوك ووزراء وغيرهم ، كان منهم ما يلي : 1 - أمير مصر ، ونقيب الأشراف الزينبيّين ، الشريف فخر الدين ثعلب الجعفري الزينبي ، فقد أشاد عمارة مهمّة على المرقد الشريف . 2 - الأمير علي باشا الوزير ، والي مصر من قبل السلطان سليمان خان ، فقد شيّد المرقد ، وأضاف إليه مسجداً يتّصل به ، وذلك في سنة 956 ق . 3 - الأمير عبد الرحمن كتخدا ، فقد عمّر المرقد ، وأنشأ به ساقية وحوضاً ، وذلك في سنة 1174 ق . 4 - وفي سنة 1212 ق ظهر صدع في بعض حوائط المسجد ، فندبت حكومة عثمان المرادي لتجديده وإنشائه ، فابتدأ العمل ، إلّاأنّه توقّف لدخول الفرنسيّين لمصر ، وأكمله بعد ذلك الوزير يوسف باشا ، وذلك في سنة 1326 ق ، وأرّخ ذلك بأبيات خطّت على لوحٍ من الرخام وهي : نور بنت النبي زينب يعلو * مسجداً فيه قبرها والمزار قد بناه الوزير صدر المعالي * يوسف وهو للعُلى مختار زاد جلاله كما قلت : ومسجد * مشرق به أنوار وحالت دون إتمام عمارته بعض الموانع ، فأكمله محمّد علي باشا الكبير ، جدّ الأسرة العلويّة . 5 - سعيد باشا ، أمر بتجديد الوجهة الغربيّة والبحريّة من الضريح ، وذلك في سنة 1276 ق ، وبعد تمام العمارة كتب على لوحٍ من الرخام التأريخ ، وهذا نصّه : في ظلّ أيام السعيد محمّد * ربّ الفخار مليك مصر الأفخم من فائض الأوقاف أتحف زينباً * عون الورى بنت النبيّ الأكرم من يأت ينوي للوضوء مؤرّخاً * ويسعد فإنّ وضوءه من زمزم وكتب على باب المقام هذا البيت : يا زائريها قفوا بالباب وابتهلوا * بنت الرسول لهذا القطر مصباح وليست العقيلة مصباحاً وشرفاً لمصر ، وإنّما هي فخر ونور لجميع أقاليم العالم الإسلامي . 6 - الخديوي محمّد توفيق باشا ، جدّد الباب المقابل لباب القبّة ، جدّده بالمرمر المصري والتركي ، وذلك في سنة 1294 ق ، وفي سنة 1297 ق أمر بتجديد القبّة والمسجد والمنارة ، وتمّ البناء في سنة 1302 ق ، وكتب على أبواب القبّة الشريفة هذه الأبيات : باب الشفاعة عند قبّة زينب * يلقاه غادٍ للمقام ورائح من يمن توفيق العزيز مؤرّخ * نور على باب الشفاعة لائح كما كتبت هذه الأبيات : قف توسّل بباب بنت عليّ * بخضوع وسل إله السماء تحظ بالعزّ والقبول وأرخ * باب أخت الحسين باب العلاء كما رسمت هذه الأبيات : رفعوا لزينب بنت طه قبّة * علياء محكمة البناء مشيّدة نور القبول يقول في تأريخها * باب الرضا والعدل باب السيّدة وفي هذا التأريخ نقشت القبّة والمشهد بنقوش رائعة وبديعة ، وكان ذلك بأمر محمّد توفيق ، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن المرقد المعظّم في مصر . وقد رفض عدّة من الأعلام هذا القول ، مضعّفين سفرها إلى مصر ، سيّما وأنّ مسلمة بن مخلّد كان من أصحاب معاوية ، ومن المنحرفين عن الإمام عليّ عليه السلام ، فكيف يستقبل السيّدة زينب وينزلها في داره ؟ ! كذلك قالوا : « إنّ السيّدة زينب عليها السلام لم يحدّثنا التاريخ عنها بأنّها خرجت من المدينة » ، وطبعاً كان هذا الكلام رائجاً قبل اكتشاف كتابنا هذا أخبار الزينبات . وقال علي باشا مبارك في كتابه الخطط التوفيقيّة ( ج 5 ، ص 9 وفي طبعة ص 28 ) : ثمّ إنّي لم أرَ في كتب التواريخ أنّ السيّدة زينب بنت عليّ - رضي الله عنه - جاءت إلى مصر في الحياة أو بعد الممات . 2 - في الشام : حيث قال المؤرّخون : إنّها توفّيت في إحدى قرى الشام ، ودُفنت في ضواحي مدينة دمشق . ويعزو بعضهم سبب سفرها إلى الشام أنّه حدثت في يثرب مجاعة عظيمة ، فهرب منها عبداللَّه بن جعفر مصاحباً معه زوجته العقيلة وسائر عائلته ، ولمّا انتهت العقيلة إلى ذلك المكان توفّيت فيه . وهذا القول هو الآخر رفضه عدّة من الأعلام ؛ قال السيّد محمّدكاظم القزويني في كتابه زينب الكبرى من المهد إلى اللحد ص 601 - 609 : جاء في كتاب كامل البهائي ( ج 2 ص 302 ) : رُويَ أنّ أم كلثوم أخت الحسين عليه السلام توفّيت بدمشق سلام اللَّه عليها . وقال ابن بطوطة - في رحلته المعروفة - : « وبقرية قِبَلي البَلَد - أي : بلدة دمشق - على فرسخ منها : مَشْهد امّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب عليه السلام مِن فاطمة عليها السلام . ويُقال : إنّ اسمها : زينب ، وكَنّاها النبيُّ « امّ كلثوم » لِشَبَهِها بخالتها امّ كلثوم بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وعليه مسجد كبير ، وحَولَه مَسْكن وله أوقاف ، ويُسمّيه أهل الشام : قبر الستّ امّ كلثوم . وهُنا أكثر مِن سؤال يتبادر إلى الذهْن حول هذا القول : السؤال الأوّل : إنّ التاريخ لم يَذكُر مَجاعةً وقعتْ في المدينة المنوّرة ! ! ففي أيّ سنةٍ كانت تلك المَجاعة ؟ وكم دامتْ حتّى اضطرّ آل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلى الهجرة إلى الشام ؟ السؤال الثاني : إذا كانت وفاة السيّدة زينب عليها السلام في السنة الثانية والستّين - كما ذكرَه بعضُ المؤرّخين - فلماذا لم تكن في المدينة المنوّرة حينما حَدثَتْ مَجْزرة « واقعة الحَرّة » ؟ إذ لا يوجَد لها - ولا لِزوجها عبداللَّه بن جعفر - أيّ اسم وأثَر ، فهل وقَعت المجاعة قبلَ واقعة الحَرّة أم بعدها ؟ ! هذه أسئلة وتساؤلات مُتعدّدة لا جوابَ لها سِوى الاحتمالات والظنّ الذي لا يُغني عن الحقّ شيئاً . هذا . . وقد حاول بعض المعاصرين في كتاب سَمّاه مرقد العقيلة أن يُثْبت مدفنها في دمشق . . لا القاهرة ، واستدلّ بأدلّة وتَشَبّث ببعض الأقوال ، ولكنّها لا تَفي بالغَرض ؛ لأنّ الأدلّة غير قاطعة ، والأقوال غير كافية للاحتجاج والاستدلال ، وكما يُقال : « غير جامعة وغير مانعة » . وممّا يُضعّف القول الثاني : أنّه حينما أرادوا تَجْديد بناء حَرَم السيّدة زينب عليها السلام الموجود في ناحية دمشق - قبلَ حوالي أربعين سنة - وحفروا الأرض لبناء الأسس والأعمدة ، وصلوا إلى القبر الشريف ، ووجدوا عليه صَخْرةَ رُخام . . هذه صورتُها : فإن صَحّت هذه الكتابة فالقبر الموجود في ناحية دمشق قبْرٌ لِسيّدةٍ من بنات الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، واسمها : زينب الصغرى ، وهذا يدلّ على مدى اهتمام الإمام عليه السلام بهذا الاسم ، حيث اختارَه لأكثَر من بنتٍ واحدة من بناته . يُضاف إلى ذلك : إنّنا نَجِدُ في بُطون كتب التاريخ وصف السيّدة زينب ب « الكُبرى » للفَرْق بينها وبين أختها . وفي مجال دراسة القول الثاني . . هناك كلامٌ طويلٌ للسيّد محسن الأمين في مُناقشته لهذا القول ، ونحنُ نَذكُره - هنا - تتميماً للدراسة الموضوعيّة . وليس معنى نقلنا لكلامه هو تأييدنا له في قوله ، بل إنّ هذا يَعني أنّنا نضع المَعلومات أمامَ الباحث ، ليكون على بَصيرةٍ أكثر من النقاط التي يُمكن أنْ تَنفعه في اسْتِكْشافه لمحور البحث ، مع التنبيه المُسْبَق - منّا - على استِغْرابِنا مِن كلامه ! ومِنْ لَهْجَتِه في التعبير عند الكتابة حول هذا الموضوع ؟ ! وإليك نصُّ كلامه : . . . وفيما الحِقَ برسالة نُزهة أهل الحَرمَين في عمارة المشهدين في النجف وكربلاء ، المطبوعة بالهند ، نَقلًا عن رسالة تحيّة أهل القبور بالمأثور عند ذِكْر قبور أولاد الأئمّة عليهم السلام ، ما لفْظُه : « ومنهم : زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام ، وكُنيَتُها امّ كلثوم ، قبرُها في قرب زوجها عبداللَّه بن جعفر الطيّار خارج دمشق الشام معروف ، جاءت مع زوجها عبداللَّه بن جعفر أيّام عبد الملك بن مروان إلى الشام سنة المَجاعة ، ليقوم عبداللَّه بن جعفر في ما كان له من القُرى والمَزارع خارجَ الشام ، حتّى تنقضي المَجاعة ، فماتَت زينب هناك ، ودُفنتْ في بعض تلك القرى . هذا هو التحقيق في وَجْه دَفْنها هناك ، وغيرُهُ غلَطٌ لا أصلَ له ، فاغتَنِمْ . . فقد وَهَمَ في ذلك جماعة فَخَبَطوا العَشواء » . وفي هذا الكلام مِن خَبْط العَشواء مَواضع : أوّلًا : إنّ زينبَ الكُبرى لم يَقُلْ أحَد من المُؤرّخين أنّها تُكنّى بامّ كلثوم ، فقد ذكرَها المَسعودي والمفيد وابن طلحة وغيرُهم ولم يقل أحَدٌ منهم أنّها تُكنّى امَّ كلثوم ، بل كلّهم سَمّوها : زينب الكُبرى ، وجَعَلوها مُقابل امّ كلثوم الكبرى ، وما استَظْهَرْناهُ مِن أنّها تُكنّى امّ كلثوم ظهَرَ لنا - أخيراً - فَسادُه . ثانياً : قوله : « قبرها في قُرب زوجها عبداللَّه بن جعفر » ليسَ بِصَواب ، ولم يَقُلْه أحَد ، فقَبْرُ عبداللَّه بن جعفر بالحجاز ؛ ففي عُمْدة الطالب والاستيعاب وأسد الغابة والإصابة وغيرها : أنّه ماتَ بالمدينة ودُفنَ بالبقيع . وزادَ في عُمْدة الطالب القولَ بأنّه ماتَ بالأبواء ودُفن بالأبواء ، ولا يوجَد قُرْبَ القبر المَنْسوب إليها بالراوية قَبْرٌ يُنسَب لعبداللَّه بن جعفر . ثالثاً : مَجيؤها مع زوجها عبداللَّه بن جعفر إلى الشام سنة المَجاعة . . لم نرَهُ في كلام أحدٍ مِن المؤرّخين ، مع مَزيد التَّفتيش والتَّنقيب . وإنْ كان ذُكرَ في كلام أحَدٍ من أهل الأعصار الأخيرة فهو حَدْسٌ واستِنْباط كالحَدس ، والاستنباطُ مِن صاحب التحيّة ؛ فإنّ هؤلاء لَمّا تَوَهّمُوا أنّ القبر الموجود في قرية راوية خارجَ دمشق مَنسوب إلى زينب الكبرى ، وأنّ ذلك أمْرٌ مَفْروغ منه - مع عدم ذِكْر أحدٍ من المؤرّخين لذلك - استَنبَطوا لِتَصْحيحه وجوهاً بالحَدْس والتخمين . . لا تَسْتندُ إلى مُسْتَنَد ، فبعضٌ قال : « إنّ يزيد - عليه اللعنة - طلبها مِن المدينة فعَظُمَ ذلك عليها ، فقال لها ابنُ أخيها زينُ العابدين عليه السلام : إنّك لا تَصِلين دمشق ، فماتَتْ قبلَ دخولها . وكأنّه هو الذي عَدّهُ صاحب التحيّة غَلَطاً لا أصل له ووقع في مثله ، وعدّه غنيمةً وهو ليس بها ، وعدّ غيره خَبْط العشواء وهو منه . فاغتَنِمْ . . فقد وَهَمَ كلُّ مَن زَعَمَ أنّ القبر الذي في قرية راوية منسوب إلى زينب الكبرى ، وسبب هذا التوهُّم : أنّ من سمع أنّ في راوية قبراً ينسب إلى السيّدة زينب سبق إلى ذهنه زينب الكبرى ؛ لتبادر الذهن إلى الفرد الأكمل ، فلمّا لم يجد أثراً يدلّ على ذلك لجأ إلى استنباط العلل العليلة . ونظير هذا أنّ في مصر قبراً ومشهداً يقال له : « مشهد السيّدة زينب » ، وهي زينب بنت يحيى ، وتأتي ترجمتها ، والنّاس يتوهّمون أنّه قبر السيّدة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام ، ولا سبب له إلّاتبادر الذهن إلى الفرد الأكمل . وإذا كان بعض النّاس اختلق سبباً لمجيء زينب الكبرى إلى الشام ووفاتها فيها ، فماذا يختلقون لمجيئها إلى مصر ؟ ! وما الذي أتى بها إليها ؟ لكنّ بعض المؤلّفين من غيرنا رأيتُ له كتاباً مطبوعاً بمصر - غابَ عنّي الآن اسمه - ذكر لذلك توجيهاً « بأنّه يجوز أن تكون نقلت إلى مصر بوجهٍ خفي على النّاس » . مع أنّ زينب التي هي بمصر هي زينب بنت يحيى حسنيّة أو حسينيّة كما يأتي ، وحال زينب التي براوية حالها . رابعاً : لم يذكرْ مؤرّخ أنّ عبداللَّه بن جعفر كان له قُرى ومزارع خارج الشام حتّى يأتي إليها ويقوم بأمرها ، وإنّما كان يفد على معاوية فيجيزه ، فلا يطولُ أمر تلك الجوائز في يده حتّى ينفقها بما عُرف عنه من الجود المفرط . فمن أين جاءته هذه القُرى والمزارع ؟ وفي أيّ كتابٍ ذُكرت من كتب التواريخ ؟ ! خامساً : إن كان عبداللَّه بن جعفر له قرى ومزارع خارج الشام - كما صوّرته المخيّلة - فما الذي يدعوه للإتيان بزوجته زينب معه ؟ ! وهي التي اتيَ بها إلى الشام أسيرةً بزيّ السبايا وبصورة فظيعة ، وأدخلت على يزيد مع ابن أخيها زين العابدين وباقي أهل بيتها بهيئةٍ مُشْجِية ؟ ! فهل من المتصوّر أن ترغب في دخول الشام ورؤيتها مرّة ثانية وقد جرى عليها بالشام ما جرى ؟ ! وإن كان الداعي للإتيان بها معه هو المجاعة بالحجاز . . فكان يمكنه أن يحمل غلّات مزارعه - المو هومة - إلى الحجاز أو يبيعها بالشام ويأتي بثمنها إلى الحجاز ما يُقوّتها به ، فجاء بها إلى الشام لإحراز قُوتها ، فهو ممّا لا يقبله عاقل ، فابنُ جعفر لم يكن مُعدماً إلى هذا الحدّ ، مع أنّه يتكلّف من نفقة إحضارها وإحضار أهله أكثر من نفقة قُوتها ، فما كان لِيُحضرها وحدها إلى الشام ويترك باقي عياله بالحجاز جياعاً ! ! سادساً : لم يُتحقّق أنّ صاحبة القبر الذي في راوية تُسمّى زينب لو لم يتحقّق عدمه ، فضلًا عن أن تكون زينب الكبرى ، وإنّما هي مشهورة بامّ كلثوم . انتهى كلامه [ أعيان الشيعة ، ج 7 ، ص 140 و 141 ] . 3 - في البقيع ( المدينة المنوّرة ) : حيث ذهب بعض المؤرّخين إلى أنّها توفّيت في المدينة ، ودفنت في بقيع الغرقد . ودليل هذا القول : هو أنّه ثبت - تاريخيّاً - أنّ السيّدة زينب وصلت إلى المدينة ودخلت إليها ، ولم يثبت خروجها من المدينة . ومن أبرز القائلين به السيّد محسن الأمين العاملي ، فقال في أعيان الشيعة ( ج 7 ص 140 ) : يجب أن يكون قبرها في المدينة المنوّرة ؛ فإنّه لم يثبت أنّها - بعد رجوعها للمدينة - خرجت منها ، وإن كان تاريخ وفاتها ومحلّ قبرها بالبقيع مجهولًا ، وكم من أهل البيت أمثالها من جهل محلّ قبره وتاريخ وفاته ، خصوصاً النساء . وقال السيّد محمّدكاظم القزويني في زينب الكبرى من المهد إلى اللحد ( ص 598 - 600 ) رادّاً لهذا القول : رغم أنّنا نقدّر للسيّد الأمين مكانته العلميّة ومؤلّفاته القيّمة ، ولكنّنا نقول : إنّ التحقيق في القضايا التاريخيّة عامٌّ للجميع ، وليس وقفاً على إنسان معيّن ، فإذا كان السيّد الأمين يقول بحجّيّة الظنّ حتّى في المسائل التاريخيّة ، فليست هذه المزيّة خاصّة به ، بل يجوز لغيره - أيضاً - أن يُبْدي رأيه ، وخاصّةً بعد الانتباه إلى « حريّة الرأي » المسموح بها في هذه الأمور والمواضيع ! وعلى هذا الأساس . . فنحن نناقشه في رأيه ونظريّته ، ونقول : أوّلًا : إنّه لا يوجد في المدينة المنوّرة - وفي مقبرة البقيع بصورة خاصّة - قبرٌ للسيّدة زينب عليها السلام . فكيف يمكن أن يكون قبرها هناك ، ولم يعلم بذلك أحد ؟ ! مع الانتباه إلى الشخصيّة المرموقة التي كانت للسيّدة زينب في أسرتها ، وعند النّاس جميعاً ؟ ! فهل ماتت في المدينة ولم يحضر تشييع جنازتها أحد ؟ ! ولم يشهد دفنها أحد ؟ ! ولم يعلم بموضع قبرها أحد ؟ ولم يتحدّث أحد من أئمّة أهل البيت عليهم السلام عن هذا الموضوع المهمّ ، وخاصّة الإمام السجّاد والإمام الباقر والإمام الصادق عليهم السلام ؟ ! ثمّ كيف ولماذا لم يشاهَد أحدٌ من الأئمّة الطاهرين أو من شخصيّات بني هاشم عند قبرها ؟ ! وكيف لم يتحدَّث واحدٌ منهم عن زيارة قبرها ، أو عن تعيين موضع قبرها في المدينة ، مع ما ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حول الثواب العظيم لزيارة قبرها ؟ ! وما هي الدواعي لهذا الغموض والتعتيم على سبب وتاريخ وفاتها ومكان دفنها . . حتّى من رجالات أهل البيت ؟ ! فهل كانت هناك أسبابٌ وحكم تفرض إخفاء قبرها ، كما كانت كذلك بالنسبة إلى قبر والدتها السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام ؟ أم أنّ هناك حقائق وأخباراً خفيت عنّا ؟ ! هذه أسئلة حائرة . . تجعلنا لا نوافق على هذا القول . ثانياً : هناك أقوالٌ تقول : إنّها خرجت من المدينة إلى الشام أو إلى مصر ، وهي تمنع من موافقتنا على هذا القول ؛ لأنّه معارض بقولَين آخرَين ، لكلّ واحدٍ منهما وثائقهما وأدلّتهما . ثالثاً : ليت شعري هل يأذن لي السيّد الأمين رحمه الله أن أسأله : إن كانت السيّدة زينب دُفنت في المدينة المنوّرة ، وكان المرقد الموجود في قرية الراوية في ضاحية دمشق قبر امرأةٍ مجهولة النسب ، كما ادّعى ذلك السيّد الأمين ، فلماذا دُفن السيّد بعد وفاته عند مدخل مقام السيّدة زينب بضاحية دمشق ؟ ! فهلْ كان ذلك بوصيّة منه ؟ ! أم أنّ أولاده اختاروا لقبره ذلك المكان . . وهم يعلمون نظريّة والدهم حول ذلك المقام ؟ ! انتهى كلامه . وكما تلاحظ معنا - عزيزي القارئ - تضارب الآراء والأقوال ، لذا من الصعب - إن لم نقل : من المحال - تحديد أو تعيين موضع قبرها عليها السلام على وجه الدقّة . غير أنّنا نقول بعد كلّ هذا : تتشرّف كلّ بقعة من الأرض يقام فيها مرقد أو مقام لعقيلة بني هاشم زينب الكبرى عليها السلام ، ولم نغال إن قلنا : هي أفضل سيّدة خلفت فاطمة الزهراء عليها السلام - امّها - . ( 8 ) . هي المكنّاة ب « امّ كلثوم » كنّاها بذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لشبهها بخالتها امّ كلثوم بنت الرسول صلى الله عليه وآله . وقد سمّيت في المصادر : زينب الصغرى ، أو امّ كلثوم الكبرى . انظر ترجمتها في : كتاب المحبّر ، ص 56 ؛ النوادر لأحمد بن محمّد بن عيسى ، ص 129 ، ح 332 ؛ الطبقات الكبرى ، ج 8 ، ص 463 - 465 ؛ كتاب نسب قريش ، ص 349 ؛ الذرّيّة الطاهرة ، ص 157 - 165 ؛ الكافي ، ج 5 ، ص 346 ، ح 2 ؛ بلاغات النساء ، ح 23 ؛ تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 149 ؛ المستدرك على الصحيحين ، ج 3 ، ص 142 ؛ إرشاد المفيد ، ج 1 ، ص 354 ؛ المسائل السرويّة للشيخ المفيد ، ص 86 ؛ المسألة العاشرة ( المطبوع في مصنّفات الشيخ المفيد ج 7 ) ؛ رسائل الشريف المرتضى ، ج 1 ، ص 290 وج 3 ، ص 148 ؛ العقد الفريد ، ج 4 ، ص 365 وج 6 ، ص 90 ؛ الاستيعاب ، ج 4 ، ص 1954 ، رقم 4204 ؛ المجدي ، ص 17 ؛ لباب الأنساب ، ج 1 ، ص 337 ؛ مقتل الحسين للخوارزمي ، ج 2 ، ص 43 ؛ إعلام الورى ، ج 1 ، ص 395 و 397 ؛ أسد الغابة ، ج 5 ، ص 614 ؛ الكامل في التاريخ ، ج 3 ، ص 397 ؛ الملهوف ، ص 140 و 141 و 198 و 210 ؛ شرح نهج البلاغة ، ج 4 ، ص 248 وج 6 ، ص 255 وج 9 ، ص 162 وج 12 ، ص 244 و 264 و 317 و 338 و 340 و 342 وج 14 ، ص 227 وج 15 ص 100 وج 19 ، ص 207 ؛ مثير الأحزان ، ص 88 ؛ ذخائر العقبى ، ص 167 ؛ مطالب السؤول ، ج 1 ، ص 261 ؛ معجم البلدان ، ج 3 ، ص 20 ؛ المستجاد ، ص 144 ؛ البداية والنهاية ( المجلّد 3 ) ج 5 ، ص 309 ؛ العِبر ، ج 1 ، ص 16 ؛ الإصابة ، ج 8 ، ص 464 ، رقم 12237 ؛ كشف الغمّة ، ج 1 ، ص 440 ؛ بحار الأنوار ، ج 42 ، ص 94 ، ح 22 ؛ أعيان الشيعة ، ج 1 ، ص 327 وج 7 ، ص 136 ؛ أعلام النساء المؤمنات ، ص 181 ، رقم 106 ؛ أعلام النساء لكحّالة ، ج 4 ، ص 255 ؛ تنقيح الرجال ، ج 3 ، ص 73 ؛ الخصائص الحسينيّة : ص 182 و 216 و 235 و 237 و 332 ؛ الذريعة ، ج 4 ، ص 172 ، رقم 850 وج 5 ، ص 183 ، رقم 811 ؛ ريحانة الأدب ، ج 6 ، ص 234 ، رقم 501 ؛ رياحين الشريعة ، ج 3 ، ص 244 ؛ الكنى والألقاب ، ج 1 ، ص 218 ؛ مجمع الرجال ، ج 7 ، ص 42 و 182 . ( 9 ) . لقد اختُلف في صحّة زواج عمر بن الخطّاب من امّ كلثوم . فمنهم : من تلقّى هذا الخبر تلقّي المسلّمات . ومنهم : من وجّهه بأنّه حصل بكراهية ، أو تقيّة ، أو إجبار ، أو تهديد من عمر ، وما أشبه ذلك - كما يفهم من قول الشريف المرتضى في رسائله ، وكذا كتابه تنزيه الأنبياء والأئمّة عليهم السلام ، ص 224 و 225 بتحقيقنا - . ويستدلّ هؤلاء بما كلّم به عمر العبّاس ، أو رواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله : ذلك فرج غُصبناه . لكنّ الشيخ المفيد رحمه الله قد رفض وقوع هذا الزواج في المسائل السرويّة ( المسألة العاشرة ) قائلًا : إنّ الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر غير ثابتٍ ، وطريقه من الزبير بن بكّار ، ولم يكن موثوقاً به في النقل ، وكان متّهماً فيما يذكره ، وكان يبغض أمير المؤمنين عليه السلام ، وغير مأمون فيما يدّعيه على بني هاشم . وإنّما نشر الحديث إثبات أبي محمّد الحسن بن يحيى صاحب النسب ذلك في كتابه ، فظنّ كثير من النّاس أنّه حقّ لرواية رجلٍ علويّ له ، وهو إنّما رواه عن الزبير بن بكّار . والحديث بنفسه مختلف ؛ فتارة يُروى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام تولّى العقد له على ابنته . [ أسد الغابة ، ج 5 ، ص 615 ؛ الإصابة ، ج 4 ، ص 492 ] . وتارة يروى أنّ العبّاس تولّى ذلك عنه . [ الكافي ، ج 5 ، ص 346 ، ح 2 ؛ الاستغاثة ، ج 92 ، ح 93 ؛ إعلام الورى ، ص 204 ] . وتارة يروى أنّه لم يقع العقد إلّابعد وعيد من عمر وتهديد لبني هاشم . [ نفس المصادر المتقدّمة ] . وتارة يروى أنّه كان عن اختيارٍ وإيثارٍ . ثمّ إنّ بعض الرواة يذكر أنّ عمر أولدها ولداً أسماه زيداً . [ تاريخ الطبري ، ج 5 ، ص 61 ؛ الطبقات الكبرى ، ج 8 ، ص 463 ؛ الاستيعاب ، ج 4 ، ص 491 ؛ أسد الغابة ، ج 5 ، ص 615 ] . وبعضهم يقول : إنّه قُتل قبل دخوله بها . [ يؤيّده ما في مروج الذهب ، ج 2 ، ص 321 ، حيث ذكر امّهات أولاده ، ولم يذكر امّ كلثوم ] . وبعضهم يقول : إنّ لزيد بن عمر عقباً . [ تهذيب تاريخ مدينة دمشق ، ج 6 ، ص 28 ] . ومنهم مَن يقول : إنّه قُتل ولا عقب له . [ جمهرة أنساب العرب ، ص 38 و 152 ] . ومنهم من يقول : إنّه وامّه قُتلا . [ أسد الغابة ، ج 5 ، ص 615 ؛ الإصابة ، ج 4 ، ص 492 ، وفيهما أنّ زيداً أصيب وامّه عليلة فماتا معاً في يوم واحد ] . ومنهم من يقول : إنّ امّه بقيت بعده . [ وهذا ما ثبت من أنّها كانت حاضرة يوم الطفّ ، وخطبتها في الكوفة معروفة : الأخبار الطوال ، ص 228 ؛ الاحتجاج ، ج 2 ، ص 302 ؛ أعلام النساء لكحّالة ، ج 4 ، ص 259 ] . ومنهم من يقول : إنّ عمر أمهر امّ كلثوم أربعين ألف درهم . [ تاريخ الطبري ، ج 5 ، ص 23 ؛ الطبقات الكبرى ، ج 8 ، ص 463 ؛ الكامل في التاريخ ، ج 3 ، ص 53 ؛ تهذيب تاريخ مدينة دمشق ، ج 6 ، ص 28 ] . ومنهم من يقول : مهرها أربعة آلاف درهم . ومنهم من يقول : كان مهرها خمسمئة درهم . [ وفي تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 150 : أمهرها عشرة آلاف دينار ] . وبُدُوّ هذا الاختلاف فيه يُبطل الحديث ، فلا يكون له تأثير على حالٍ . وقد ذكر الذهبي في العبر ( ج 1 ص 16 ) أنّ زواج عمر من امّ كلثوم كان سنة 17 ه .